المنجي بوسنينة
344
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
الشخصيات التي روت أقواله وروت عنه ما روى هو عن غيره ، ومن أبرز تلامذته : أبو بكر الدقي ( ت 360 ه / 971 م ) القائل عن أستاذه : « ما رأيت شيخا أهيب من ابن الجلاء مع أني لقيت ثلاث مائة شيخ » [ سير أعلام النبلاء ، ج 14 / 252 ؛ المنتظم ، من 257 ه ، ج 7 / 56 ] ، ومنهم أيضا محمد بن سليمان اللباد ، ومحمد بن الحسن اليقطيني ، وأبو الخير التيناتي ( ت 347 ه / 958 م ) ، وأبو عبد الله الحكيم الترمذي . ومن الذين حكوا عنه بالإضافة إلى هؤلاء التلاميذ : محمد بن عبد الله بن الجلندي ، وأبو العباس الدمشقي الوراق ، وإبراهيم بن المولد الرقي ، وغيرهم [ حلية الأولياء ، ج 10 / 233 ؛ الطبقات الكبرى ، ج 1 / 75 ] . يقوم العرفان عند ابن الجلاء على ثلاثة أركان رئيسية هي بمثابة المراحل التي يمر بها العارف للوصول إلى الحق ، وهي : الزهد ، والتعبّد ، والتوكّل . أما الزهد فقوامه الفقر والاستغناء عن الغير سوى الحق ، ولا يكترث المريد بالغير ، فلا يغرّنه مدحهم له ولا يجزعنّه ذمّهم له . وحقيقة الفقر عنده أن لا يملك الإنسان شيئا ، ولا يتملكه أي شيء . ولقد سئل ابن الجلاء يوما عن الفقر وكان بحوزته بعض الدراهم ، فلم يجب إلّا بعد أن تخلّص منها ، وذلك استحياء من الله على حدّ قوله [ بغية الطلب في تاريخ حلب ، ج 3 / 1238 ] . ثم إلى جانب الفقر يجب أن يكون المرء محافظا على العبادات والفرائض منها على وجه الخصوص ، وتركيز ابن الجلاء على الفرائض لافت للنظر ، إلى درجة أنه بالرغم من تتلمذه على محدّثين ورواة ، وبالرغم من روايته لأقوال ومواقف كبار المتصوّفة كذي النون المصري ، والنخشبي وغيرهما ، إلّا أنه لم يهتمّ برواية الحديث النبوي حتّى قال عنه أحد المصنّفين : « لا نعلم أن ابن الجلاء أسند شيئا » [ صفوة الصفوة ، ج 2 / 444 ] ، وقد يرجع ذلك لاعتقاده بأنّ الفرائض أولى من السنن ، من جهة ، ولشعوره بالعجز والتقصير تجاه ما فرضه الله عليه ، من جهة أخرى . لهذا عندما سئل كعارف وكزاهد في الدنيا عن المحبّة التي اشتهر بها أقرانه من المتصوّفة ، أجاب بقوله : « ما لي وللمحبّة أنا أريد أن أتعلّم التوبة » [ سير أعلام النبلاء ، ج 14 / 252 ] . ولهذا كان يشعر بأنّ جهده في العبادة ، والزهد والتوكّل وتعليم تلاميذه ما هو إلّا تأدية للفرائض ، وأنه لم يتجاوز بعد إلى السنن والمستحبات ، ولهذا وضع نفسه في خانة المهتمّين بالفرائض وصنف غيره ، خاصّة من المحدّثين ، بالمهتمّين بالسنة ، ويمكن الاستدلال على هذا التصنيف بقول لأحد تلامذته وهو علي بن بندار جاء فيه : « دخلت بدمشق على أبي عبد الله بن الجلاء فقال : متى دخلت دمشق ؟ قلت : منذ ثلاثة أيام . فقال لي : ما لك لم تجئني ؟ قلت : ذهبت إلى ابن جوصاء وكتبت عنه الحديث ، فقال لي : شغلتك السنة عن الفريضة » [ طبقات الصوفية ، ص 374 ] . أما الركن الثالث وهو المرحلة الثالثة والغاية من الزهد والعبادة فهو التوحيد ، والذي لا يعني مجرّد الاعتقاد بأنّ الله واحد ، بل الاعتقاد أيضا بأنّ الأفعال كلّها من الله ، ومن ثمّة العمل على الشعور بفناء الذات العارفة والأشياء المحيطة بها ، فيصبح لا يرى إلّا